غرد و ادافع

قبل سنوات ،تعرّضت  إحدى السيارات إلى حادث انقلاب في المنحدر المؤدي إلى بيتنا ، المفاجئ والغريب ان السيارة كانت في حالة صعود وليس نزول مما يعني بطء حركتها وثقل هيكلها  وانفراج الطريق أمامها .

 

 المهم خرج الأهالي من بيوتهم مسرعين عندما سمعوا صوت الارتطام القوي... تحلّقوا حول السيارة وبدأوا يولولون: " لا حول ولا قوة الا بالله..ضربة مش قليلة..معقول فيها ناس ..الله لطف! كويس انها ما  هوّرت على البيوت التحتانية "..ثم بدأ القسم الآخر يحلل : "كيف انقلب؟..منين كان جاي"..في هذه الأثناء كان السائق الكهل بالكاد يخرج رأسه من الشباك العلوي محاولاً فتح الباب وهو في حالة انبطاح...بينما أحد من الحاضرين لم يمد يده ليخرجه أو يساعده ، او يسهّل مهمة إنقاذه ، بل ظلّوا مندهشين من الحادثة النادرة التي جرت في حارتنا...تمكن الرجل – وحيدا-  من فتح الباب إلى الأعلى تماماً كما يفتح غطاء الدبابة، وانفه ووجه ينزفان دماً..وما ان وضع أصابعه على حافة الباب ليخرج جسمه بقوة عضلاته حتى حضر احد الشباب المندفعين وفتح الباب ثم أغلقه بقوة ليتأكد من "معايرة الباب"..فما كان منه الا ان سحق أصابع "الحجي" وبدأ يصيح الأخير بأعلى صوته ألما وضعفاً ثم تهاوى بين الكراسي من جديد..عندها بدأت جولة جديدة من اللوم بحق  الشاب على تهوّره و"قلّة فهمه" من قبل الحاضرين...صدقوني ، لو كان كتاب "جينيس" مفتوحاً في ذلك الوقت لسجّلها  كأطول حالة إنقاذ لأبسط حادث سير في العالم.

 

***

 

ما يجري في غزة يشبه تماماً حادث السير الذي جرى  في حارتنا قبل عقدين...الكل يتولول ويحلل ويتحدّى ولكن لا أحد يمد يده بالمساعدة الحقيقية ...جميل جداً هذا التضامن وهذا التوحد مع الوجع الفلسطيني ، وجميل جداً تغيير صور "البروفايلات" إلى غزة ، وجميل جدا "البوستات" النارية التي تشتم الاحتلال الصهيوني وتحي المقاومة ، ورهيبة وحقيقية تلك التغريدات الموجوعة ، وصادقة ومؤثرة "كوفرات" الصفحات للمشتركين بالفيسبوك...لكن أهل غزّة لا يحتاجون فقط للعاطفة ، فهم لا يستطيعون ان يصدوا دبابة بــ"بوست" ولا ان يدمروا عربة جنود بــ"تغريدة"، ولا أن يقنصوا جندي معتدي بــ"لايك" أو يسعفوا طفلة خرجت للتو من فك  المجزرة بــ" شير"!!...

 

في غزة ..يحتاجون الى الدعاء والتضرّع هذا شيء مؤكد،  لكنهم بحاجة الى التبرّع أيضا...يعني ماذا لو تبرّعت الشعوب العربية الممتدة من المحيط الى الخليج  مع كل "بوست" دولاراً...ماذا لو استبدلنا التغريدات واعادة التغريد والإعجاب المجانية بمساعدات مالية وعينية تعينهم على الحرب الابادية التي يواجهونا بعزيمتهم  .

 

 غرد وادفع ، علّق وادفع،  ففي الدولار تنقذ طفلاً، وتبنى مستشفى ، وتؤهل مدرسة ، وتسعف امرأة ، في الدولار تصنع صاروخاً...وفي الدولار تصنع تاريخاً ايضاَ...